الشيخ محمد رشيد رضا
20
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بالمعنى الخاص في اصطلاح المتكلمين والفقهاء وهم الجاحدون للألوهية أو للنبوة أو لشئ مما جاء به النبي ( ص ) وعلم من الدين بالضرورة إجماعا وهذه الآية نفسها تبطل ظنهم وفي معناها آيات كثيرة . ثم إنهم يروون عن عطاء أنه قال « الحمد لله الذي قال وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ولم يقل والظالمون هم الكافرون » يعنى انه لا يكاد يسلم امرؤ من ظلم لنفسه ولغيره فلو كان كل ظالم كافرا لهلك الناس . وقد فات صاحب هذا القول أن الظلم والكفر في القرآن يتواردان على المعنى الواحد فيطلقان تارة على ما يتعلق بالاعتقاد وتارة على ما يتعلق بالعمل . ومنه الحكم بين الناس ويقابل هذه الآية في الجمع بينهما في المعنى قوله تعالى ( 6 : 33 وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) ومن استعمال الظلم بمعنى الاعتقاد الباطل قوله ( تعالى 31 : 13 إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) وقوله تعالى ( 6 : 83 الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) فسر الظلم هنا في الحديث المرفوع المتفق عليه بالشرك وتلا صلّى اللّه عليه وسلّم الآية السابقة شاهدا . ومن استعمال الكفر بمعنى كفر النعم بعمل السوء قوله تعالى ( 14 : 7 وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) بل استعمل الكفر في القرآن بمعنى لغوى غير مذموم وذلك قوله تعالى ( 57 : 20 كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ) الكفار هنا بمعنى الزراع سموا بذلك لأنهم يكفرون الحب بالتراب أي يغطونه ويسترونه . والستر والتغطية هو المعنى العام لهذه المادة . ولم يستعمل الظلم في معنى محمود قط فالظلم في جملة معانيه شر من الكفر في جملة معانيه ثم إن اللّه تعالى توعد على الظلم بالهلاك والعذاب كما توعد على الكفر سواء كانا بالمعنى الأول أو الثاني . قال تعالى : ( 14 : 27 أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ( 29 ) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ ( 30 ) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) الوعيد الأول على كفر النعمة بعمل السيئات وترك الأعمال النافعة الصالحة والوعيد الثاني على الشرك وكلاهما من وعيد الآخرة . وقال تعالى ( 16 : 112 وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 113 ) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ